أحمد عبد الباقي

206

سامرا

وكتب عبد اللّه ابن المعتز إلى صديق له يمدح سر من رأى ويصف خرابها ، ويذم بغداد وأهلها ، ويفضل سامرا ، نجتزىء منه بعض الفقرات « 25 » : كتبت إليك من بلدة قد انهض الدهر سكانها ، واقعد جدرانها ، فشاهد اليأس فيها ينطق ، وحبل الرجاء فيها يقصر ، فكأن عمرها يطوى ، وكأن خرابها ينشر ، وقد وكلت إلى الهجر نواحيها ، واستحث باقيها إلى فانيها . وقد تمزقت باهلها الديار ، فما يجب فيها حق جوار ، فالظاعن منها ممحو الأثر ، والمقيم بها على طرف سفر ، نهاره ارجاف وسروره أحلام ، ليس له زاد فيرحل ولا مرعى فيرتع . فحالها تصف للعيون الشكوى ، وتشير إلى ذم الدنيا ، بعد ما كانت بالمرأى القريب جنة الأرض وقرار الملك ، تفيض بالجنود أقطارها ، عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد ، كأن رماحهم قرون الوعول ، ودروعهم زبد السيول ، على خيل تأكل الأرض بحوافرها . . على أنها وان جفيت معشوقة السكنى ، وحبيبة المثوى ، كوكبها يقظان ، وجوها عريان ، وحصاها جوهر ، ونسيمها معطر ، وترابها مسك أذفر ، وشرابها مرىء . . لا كبغدادكم الوسخة السماء ، الومرة الهواء ، جوها نار وارضها خيار ، وماؤها حميم ، وترابها سرجين ، وحيطانها نزوز ، وتشرينها تموز . فكم في شمسها من محترق ، وفي ظلها من عرق ، ضيقة الديار ، قاسية الجوار ، ساطعة الدخان قليلة الضيفان . أهلها ذئاب ، وكلامهم سباب ، وسائلهم محروم ومالهم مكتوم لا يجوز انفاقه ولا يحل خناقه ، حشوشهم مسايل وطرقهم مزابل ، وحيطانهم اخصاص وبيوتهم أقفاص ، ولكل مكروه أجل ، وللبقاع دول ، والدهر يسير بالمقيم ويمزج البؤس بالنعيم . وبعد اللجاجة انتهاء ، والهم إلى فرجة ، ولكل سابلة قرار ، وباللّه استعين ، وهو محمود على كل حال :

--> ( 25 ) معجم البلدان 3 / 177 - 178 .